الشيخ محمد رشيد رضا

473

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

القرآن ، وقد اختصه اللّه بانزاله اليه وببيانه للناس ؟ وتقدم ايضاح هذا البحث في تفسير ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) في أوائل هذه السورة . وقد روي عن أكابر الصوفية ما لم يرو عن غيرهم في اثبات كون القرآن ينبوع علوم الدين ، بل صرح بعضهم بكونه ينبوع جميع العلوم والحقائق الكونية كلها ، وسنعود إلى هذا البحث فنوفيه حقه ان شاء تعالى في تفسير قوله تعالى ( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) وما في معناه وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ روى أهل التفسير المأثور والترمذي وأبو الشيخ والحاكم وأبو نعيم والبيهقي والطبراني عن بضعة رجال من الصحابة أن النبي ( ص ) كان يحرس في مكة قبل نزول هذه الآية فلما نزلت ترك الحرس ، وكان أبو طالب أول الناس اهتماما بحراسته ، وحرسه العباس أيضا ، ومما روي في ذلك عن جابر وابن عباس أن النبي ( ص ) كان يحرس وكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت الآية فقال « يا عم ! ان اللّه قد عصمني لا حاجة لي إلى من تبعث » ومعنى « يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » يمنعك من فتكهم ، مأخوذ من عصام القربة ، وهو ما توكأ به - أي ما يربط به فمها - من سير جلد أو خيط . والمراد بالناس الكفار الذين يتضمن تبليغ الوحي بيان كفرهم وضلالهم ، وفساد عقائدهم وأعمالهم ، والنعي عليهم وعلى سلفهم ، فان ذلك يغيظهم ويحملهم على الايذاء . لذلك كان المشركون يتصدون لايذائه ( ص ) بالقول والفعل ، وائتمروا به بعد موت أبي طالب وقررو قتله في دار الندوة ، ولكن اللّه تعالى عصمه منهم . وكذلك فعل اليهود بعد الهجرة . ولذلك قيل : ان هذه الآية نزلت مرتين ، فإن لم تكن نزلت مرتين فقد وضعت في سياق تبليغ أهل الكتاب لتدل على أن النبي ( ص ) كان عرضة لايذائهم ، وان اللّه تعالى هو الذي عصمه من كيدهم ، ولتذكر بما كان من ايذاء مشركي قومه من قبلهم أما قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ فهو تذييل تعليلي للعصمة ، أي انه تعالى لا يهدي أولئك الناس الذين هم بصدد ايذائك على التبليغ - وهم القوم الكافرون - إلى ما يهمون به من ذلك ، بل يكونون خائبين وتتم كلمات اللّه تعالى ( تفسير القرآن ) ( 60 ) ( الجزء السادس )